بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
الأم في وجـدان الــشعـراء
الدكتور/ علوي عبدا لله طاهر
لقد كرم الله سبحانه وتعالى الأم تكريماً عظيماً في كثير من الآيات القرآنية ، منها قوله تعالى:- ( ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن أشكر لي ولوالديك، إلي المصير)” لقمان ، 14”
وفي الحديث الشريف أن رجلاً جاء إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم فقال متسائلاً : “ من أولى الناس بحسن صحابتي ؟ فرد الرسول (صلى الله عليه وسلم) قائلاً : أمك، قال : ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من ؟ قال: أمك، قال ثم من ؟ قال: أبوك).
فالرسول صلى الله عليه وسلم يؤكد بتكراره الأم ثلاث مرات أن أولى الناس بالرعاية هي الأم،فهي القلب الرحيم الذي يحمل كل معاني العطف والحب والحنان وإنه بالقدر الذي حظيت فيه الأم بمكانة رفيعة في القرآن والسنة، فإنها لقيت اهتماماً كبيراً من قبل شعراء العربية، الذين تناولوها في أشعارهم مصورين عاطفة الأمومة في أبهى صورها ،معبرين عن دور الأم في حياة الأبناء بصورة خاصة وحياة المجتمع بصورة عامة.
وأكثر ما يكون الحديث عن الأم لدى الشعراء عند ابتعادهم عنها أو فقدانها بالموت أو غيره ،وفي لحظات الفراق يزداد الحنين للأم، ويزداد الشوق إليها ، ويكثر تذكرها سواء في حالات اليقظة أم عند المنام، وذلك ما حصل لكاتب هذه المقالة ،الذي كانت روح أمه قد زارته ذات ليلة في المنام فسمعها تغني على النحو الذي كان يسمعها قبل وفاتها ، فاستيقظ من النوم متخيلاً أنها تغني للحياة على عادتها في حين أنها قد ماتت ، فقال مخاطباً أمه رحمها الله:-
أمي ، ذكرتك وابتغيت رضاك *** بإذن الإله بجنة ألقاك
رنات صوتك في الجنان تخاوصت *** في ليلة لتعيدني ذ****
قد كان صوتك نغمة قدسية *** ينساب أغنية فما أشجاك؟
فأنبت في روحي نشيداً ملهماً *** أعطى الحياة حلاوة مغناك
أوليس ذاك الصوت أيقظ غفوتي ؟ *** أم أن ذاك الحلم بعض سناك؟
يسري دعاؤك في عروقي كلها *** حققت شيئاً كان بعض مناك
أماه ، هل تبغين رؤية نبتة *** أو غرسة جادت بها كفاك؟
هل ياترى ترضين عما قد أتى *** من ذا الفتى؟ أم يا ترى أبكاك؟
قد كنت يا أماه ملهمة له *** منذ الطفولة حين كان يراك
تقهللين إذا رأيت نجاحه *** إن مسه فشل بكت عيناك
تلك الحياة ببؤسها وشقائها *** لولاك لم ينعم بها لولاك
من كان يرجو أن يراه محاضراً *** في الجامعات وباحثاً إلاك
يهناك في دار الخلود تبسماً *** يهناك رحمة ربنا يهناك
وهذا الشاعر محمد عبد غانم كان قد تذكر أمه بعد خمسين سنة من وفاتها ، فشكا إليها همه مما يراه من اضطراب الحياة وعدم استقرار ،حتى ضاقت به الحياة ذرعاً فقال مخاطباً إياها الديوان، ص(296)
أمــــــاه لا أدري وقـــــــــد مـرت بنـا خمسـون عامــــاً
وأنا على دنيا تضيق بمـن يريـــــــد بهــــا مقامـــــــــاً
ومقامـك الفــردوس خلـــداً لا يـــــزول ولا يسامــــــــى
أمــــــــــاه لا أدري هــــــــل أهدي إلى الخلد السلامـــــا
من عالم هو بالأذى المشبوب يضطــــــرم أضطــرامــــــا
فقد الوفــاق فلــــــم يجـــد إلا شقـاقــــاً وانقسـامــــــا
أمــــاه، لو أبصـــرت كيــــــ ـف نهيم فـي الدنيـا هيامـا
لا عقــــــل يهدينـــــــــا ولا قلــب يهيــب بنـــا إلامــــا؟
والحق أضلــــع مــــن يتــــا ـمى يستميحــون اللئــــام
والظلـــم بيــن الأقربيـــــــ ــن يعيث في الوادي ظلاماً
يعدو الدخيل على الأصيــــ ل به ويسقيـــــه الحمامــــا
والفدم يمرح فـي الدجــــى بين البواطــي والندامـــــى
وهذه الشاعرة العراقية عاتكة الخزرجي تؤكد أن لأمها دوراً بارزاً في حياتها، لذلك هي تتذكرها ، وتقول في قصيدة بعنوان (أنت يا أماه) المنشورة في ديوانها ( أنفاس السحر) :
أنت معنى الحب بل معنى الحياة *** أنت نور الأرض فاض من نور الإله
أنت يا أماه من قلبي مناه *** أيعيش المرء دون الأمل
أنت يا أماه سر سرمد *** ضل فيه الفكر منذ الأزل
فيك يا أماه شتى الصور *** وبها الكون جميل ينجلي
أنت يا أماه فقت الأمهات *** فيك يا أم يحلو غزلي
أنت يا أماه هل أنت أنا *** أم ترى لغزك لما يحلل
أنت لي الصحب إذا ما أنكروا *** والأحباء إذا ما غدروا
أنت يا أماه ما أدخر *** ليس لي في الكون إلا أنت لي
فعاتكة ترى في أمها النور المستمد من الإله، وترى معها الآمال التي تعيش عليها، بل ترى فيها صور الوجود الجميلة جميعها، فهي تختم قصيدتها بقولها: ليس لي يا أم إلا أنت في هذه الحياة.
وهذه الشاعرة الأردنية فدوى طوقان تصور حنان الأم في مشهد فريد، هو مشهد الطفل الذي فقد أباه، فكانت أمه أماً وأباً، فتقول بعد أن تصف حالة الطفل بعد موت أبيه:
وا حناناه لأم أيم *** طوت النفس على خوف وغم
فنضت عنها الثياب السود لا *** لا تظنوا جرحها الدامي التأم
بل لدفع الشؤم عن واحدها *** يا لقلب الأم أن أشعرهم
وبدت في البيض من أثوابها *** من رأى إحدى حمامات الحرم
إلى أن تقول:
عطفت من رحمة تحضنه *** إنما دنيا اليتامى حضن أم
وهذه الشاعرة المصرية روحية القليني تصور عاطفتها نحو أمها بقصيدة تشبه الصلوات، فهي مع إيمانها بالله إيماناً قوياً، تقول بأنه لولا هذا الإيمان بالله لعبدت أمها. فتقول:
من وحي قلبي من تألق ذاتي *** من نبع إيماني سرت دعواتي
ووقفت في المحراب خاشعة وفي *** نجوى الدعاء هممت في السجدات
يا رب صن أمي وسر سعادتي *** يا رب واحفظها بحق صلاتي
هي بسمتي، هي عالمي، هي مؤنسي *** وهدايتي في أحلك الظلمات
في قلبها عطف الوجود بأسره *** كم ذللت برضائها عقباتي
وبساعدين من الحنان تضمني *** فأكاد أسمع لهفة الخفقات
إن غبت عنها تحسب الخطو الذي *** يجري وراء جدارها خطواتي
وتظل تحسب بالدقيقة عودتي *** في حيرة مشبوبة اللهفات
حتى أعود لها فتغمر جبهتي *** قبلاً كأني غبت من سنوات
ودموعها تنهل من فرح اللقا *** والدمع يسبح في سنا الضحكات
إلى أن تقول:
لو لم تكن ربي وسر هدايتي *** لعبدت أمي فهي نور حياتي
لكنني يا رب مؤمنة بمن *** خلق الحياة وأنزل الآيات