لم أنم الليل بعدما قرأت تلك الورقة التي تركها ولدي (أحمد)
مخلفاً لي في قلبي ألماً يزيدني شعوراً به مرض قلبي فأصبح محاصراً بألمين
أو كما يقولون بين فكي الأسد ..
عزمت الأمر في الصباح أن أذهب لـ (سمية) ألتقي بها لقاء أم بابنتها ..
أسمع منها وأفهم .. فقد تعودت ألا يكون حكمي على أمر ما
بعد سماع طرف واحد من أطراف المشكلة ولكني تعودت الإنصاف
مع الآخرين لما ذقته من مرار الظلم في حياتي –
ليس مجالاً لها الآن – وذهبت لها وصعدت السلم وأنا ألملم كلماتي وألملم أنفاسي اللاهثة ،
وقابلتها .. رحبت بي زوجة ولدي – ابنتي كما أعتبرها – ترحيباً لا بأس به ،
فقد كانت روتينية نوعاً ما وقد عرفت ذلك منذ كانت على علاقة بولدي من أيام الخطبة وقبلها ،
وشعرت أن بينهما اختلاف في الطبائع والصفات والعادات والميول والأفكار
ولكني كنت أرى ولدي سعيداً .. رأيته يحبها ..
وما أجبرني على الصمت أيضاً هو – ستعرفونه في موضعه –
واقتربت منها كي أبث لها شكوتي منها وإليها ،
كي أعرف وأتبين من المخطئ وعلى من يكون الحق ولمن يكون ؟
وبدأت حديثاً فياضاً يملؤه الحب والحنان قائلة :
- ابنتي .. تعلمين أن لي ابنتين ومن يوم أن دخلتي بيتنا
وأنا أعتبرك ثالثتهن ، بل أنت ولا أخفيك سراً تأتين في المرتبة الأولى عندي
وتحتلين المكانة العظمى من قلبي ، ولا أبالغ يا ابنتي أتعلمين لماذا ؟
لأنك زوجة قرة عيني ولدي أملي في الحياة من أحيا بأنفاسه وأنعم بابتساماته وأشقى بحزنه وهمه ..
فكان ردها يملؤه الحذر والشعور بشيء ما أحاول ا لوصول إليه ..
- شكراً لك يا أمي على تلك المشاعر ..
ولكن هل حدث شيئاً لا قدر الله ؟ أشعر من مقدمة كلامك يا أمي
أنك ستلقين عليّ اللوم في شيء ما .. أليس كذلك ؟
أعتقد أن زوجة ابني تتمتع بقدر من الذكاء لا بأس به وبصلابة الشخصية
ولذلك لن أراوغها وسأدخل في الموضوع مباشرة ..
- أحمد يا ابنتي ليس سعيداً
تلك كانت طلقتي التي أطلقتها في وجهها الذي تلون بحمرة لا أدري كنهها أهي حمرة غضب أم حمرة خجل ؟
- وأنا السبب .. أليس كذلك ؟
أنا دائماً السبب .. ألم يقل لك ذلك .. هذا الرجل الكبير المدلل
الذي يريدني أن أكون أمه الثانية أخبريه يا أمي لو سمحتِ ..
اجعليه يؤمن ويتيقن أني لستُ أمه أنا زوجته .. زوجته ..
يا إلهي ما هذا الآتون الذي فتح في وجهي ؟ أنا لم أقل شيئاً ..
أنا فقط بدأت تواً الموضوع ومن الواضح أني سأنهيه حيث بدأته ..
تراجعت موجة الكلام في حلقي ..
ازدرتها فكانت صعبة عسيرة البلع .. ولكنها داهمتني باستئنافها ...
- مم يشكو (أحمد) ؟
- يشكو من ...
كدت أن أرد فقاطعتني ..
- لا تجهدي نفسك يا أمي في إلقاء تظلماته وآلامه سأقص عليك أنا مم يشكو زوجي العزيز ..
زوجي – وأنت يا أمي أدرى الناس به – لا يتحمل المسئولية مطلقاً ..
لم يصدق بعد أنه أصبح زوجاً وأباً ، ما زال يعيش في أوهامه وتخيلاته وأشعاره ،
جل ما يغضبه مني أني لا آبه لما يكتبه من أشعار ،
أني لست رومانسية ، رومانسية وأم لأبناء صغار وامرأة عاملة وأعود من عملي أصارع الوقت
ما بين المطبخ والبيت والأولاد ،
فمن أين أجد وقتاً أقدم له ما يحتاج من رومانسية ؟
ماذا سيتبقى مني من جهد أو طاقة لأشعره بالجو الرومانسي الهادئ الذي يحلم به ؟
يا أمي أنا لي طاقة لست امرأة فولاذية أو خارقة .
- ولكنها وقوده يا ابنتي .
وما إن أطلقت تلك الجملة العابرة ولكني أعنيها ..
فولدي بالفعل يحتاج الحنان .. رُبي على الحنان أشربته الرومانسية مع أول قطرات لبن نزلت في فمه ..
وعندما كان يشعر بالحنان والعطف كنت أرى طاقته تزداد ونشاطه وإقباله
على الحياة يصبح كنور الضحى الذي يغمر السماء فلا يوقفه شيء
حتى السحاب يستطيع أن ينفذ من ثغراته مبدعاً لوحة فنية رائعة ..
هذا ولدي .. أنا أعرفه .. ولكنها – سمية – لا تعرفه ،
فإذا بكلمتها المدوية تخترق جدار الصمت وتحدث خلخلة في أجواء تخيلاتي وأفكاري وتقول ..
- أصدقك القول يا أمي وأرجو أن تفهميني ..
أنتِ السبب فيما يعانيه أحمد ولست أنا .
رباه .. أأكون السبب في شقاء نسمتي التي أستنشقها في حر الصيف؟
أأنا التي تسببت حقاً في حزنه وآلامه ؟ ماذا فعلت ؟ لم أرد ..
سكت .. وغمرت الدموع بحيرتي الجافتين ولكنها أبت الفيضان
فاستقرت في مجراهما منذرة بفيضان لن يوقفه سد ولا يعرف لنهايته حد ..
ولكنها واصلت محاولة تخفيف كلماته القاسية اللاوعية من وجهة نظري ..
الحقيقية من وجهة نظرها ..
وإلى لقاء في حلقة قادمة
يتبع
.......